Facebook RSS
الصفحة الرئيسة رسالتنا ارسل مقالاً اتصل بنا

صاح جحا: يا قوم، لا تعجلوا بالتوبة!

 هبت يوماً ريحٌ شديدةٌ فأقبل الناس يدعون الله ويتوبون، فصاح جحا: يا قوم، لا تعجلوا بالتوبة وإنما هي زوبعة وتسكن-اخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي

أزمة فكر أم فكر أزمة

نشر بتاريخ: 2017-01-12

 

                                                    -1-
في الحياة الثقافية والأدبية والفكرية التي نعيشها – مبدعين أو متلقين- غالبا ما تجد الأقلام في مناخ هذه الحياة وجوها- الصافي منها والكدر- فرصا عديدة لتناول بعض جوانب هذه الحياة نقدا وتحليلا، وتمحيصا، دراسة تتسع لهذه  الحياة بما رحبت به ، أو تضيف لها أو تتطلع إلى آفاقها تستشرفها وتحاول أن تتحسس الطريق إليه- كل قلم بأسلوبه الخاص، ثم تحاول بعد ذلك أن تصل إلى هذا الأفق أو ذلك وتتلمس وجها من وجوهه، لتقضي فيه بعد ذلك كله قضاءها الفكري وتقول فيه الكلمة الفاصلة: هل فيه ما يصلح للحياة حقا والبقاء والاستمرار أم ينعدم أو يكاد ينعدم فيه كل بصيص من الضوء، فتسدل ستارا، أو تجد فيه شيئا من تلك الحياة وشيئا من ذلك البصيص من الضوء... وتعود النظرة التي كانت من قبل متأملة شاخصة إلى  منطلقها معاودة السير أو موثر التوقف حتى يتجلى ما يتراكم على الأفق من غبار وتعتيم، أو موثرة التوقف لقيم رؤية تقييميه لما مضى، تاركة رؤية تقييم ما يأتي إلى فرصة لو مناسبة من المناسبات.
في جو هذه الحياة ومناخها لا تعدم الأقلام وقفة من ضرب آخر، هي وقفة السؤال أو التساؤل وقد تكون لديها رصيد من الأحكام والآراء والفروض: 
هل هناك أزمة فكر أم هناك فكر أزمة؟ !  ويلح هذا السؤال أو هذا التساؤل على هذه الأقلام- أو على أصحابها- حتى يصبح أو يكاد يصبح هو القصبة وهو المسألة، فيستبد بها حتى تكاد لا تجد نفسها- هذه الأقلام قادرة على السير أو التوئب إلا إذا وجدت جوابا  أو أجوبة عن ذلك السؤال المرهق المضني، ولكني أو ثر – مع من يوثر أن يسميه قضية ، وهي قضية فعلا، وكم من القضايا في حياتنا الثقافية والأدبية والفكرية نطرحها أسئلة على أنفسنا وهي قضايا ملحة !
وينبغي ألا نخدع أنفسنا فنقول أنها قضية عابرة بإمكان الزمن أن يمحوها ويطمس معالمها من الطريق ويزيح عبأها عن كاهلنا، فهي ليست من ذلك القضايا التي تنطوي على مثل هذه الطبيعة، ولا يتعين علينا كذلك أن نهول منها حتى تصبح شغلنا الشاغل في حياتنا الثقافية والأدبية والفكرية بصفة عامة، فنضعف أمامها وتحتوينا حتى نصبح غير قادرين على إدارة رحى هذه الحياة، وبالتالي ننشغل بها حتى تكاد تصبح لدى بعضها ضربا من اللهو والعبث الثقافي والأدبي- وما أكثر هذا اللهو والعبث في حياتنا الثقافية والأدبية؟- وتصبح لدى البعض الآخر حاجزا زجاجيا سميكا يحول بيننا وبين رؤية ما مضى وما يأتي رؤية سليمة واضحة، خالية من الشوائب وألوان الكدر القاتم.
ومع ذلك... تظل القضية ملحة على إفهامنا وأذهاننا، مستبدة بها، مقيدة إليها بسلاسل النظر والفكر والتدبير، حتى يوجد لها جوابا يشفي غليل ذوي الإفهام و الأذهان، ويكون عندها قناعة بصواب الجواب على السؤال- القضية: هل هناك أزمة فكر أم هناك فكر أزمة؟
                                             -2-
لولا خشيتي- وأكاد أقول خوفي- لقلت بداية أن ما يتجلى لنا ونحن نعيش ونضطرب في جو الحياة الثقافية والأدبية- الصافي حينا الكدر حينما آخر- هو دليل على وجود فكر أزمة أكثر من دلالته على وجود أزمة فكر. ولا ضيق بداهة أيضا: أن هذا حكم جاهز أمسك به بداية هذا المبحث خلافا لما جرى به العرف والتقاليد في المجال النقدي أن يوخر صدور الحكم إلى خاتمة المبحث والقضية، ولكني آثرت ذلك حتى لا أضع القارئ أمام إشكالية المصطلحات والمفاهيم النقدية الغامضة التي تختلف وتتشابك وتتعقد باختلاف وتشابك وتعقد أصحاب المصطلحات والمفاهيم التي تستخدم  الآن في حياتنا الثقافية والأدبية استخداما شنيعا يفرغها من محتواها ويجهض إمكانياتها الذاتية في البقاء والتأثير، وتوظيف في مجال النقدي توظيفا يسيء إلى هذه المصطلحات والمفاهيم ثم يسيء مرة أخرى وبشكل فادح إلى حياتنا الثقافية والأدبية، وهما إساءتان بالغتا الخطورة لو تمعنا قليلا في أجواء حياتنا الثقافية والأدبية وتفاعلها مع هذه المصطلحات  والمفاهيم التي تمت حينا إلى النقد بصلة من الصلات، وتنتمي هذه الصلة أحيانا أخرى وكثيرة، فكثير من هذه المفاهيم والمصطلحات والمقاييس التي نسميها نقدية ونحاول تطويع ثقافتنا وأدبنا الحديث أو القديم، تستمد روحها من العقائد والايديوجيات والمذاهب المستوردة- نفسية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو أدبية وحتى اقتصادية إذا صح القول، وهو قول ليس غريبا ولكن له شواهد ودلالات فيما نقرأ وفيما نعيش فيه من جوانب حياتنا الثقافية والأدبية.
وأظن أننا وضعنا أيدينا على نقطة حساسة جدا  في طريق دراسة وتحليل الموضوع الذي نحسن بصدده، ما دمنا قد عرفنا وأدركنا المنبع الذي تنطلق منه الأصوات التي تزعم أننا نعاني أزمة فكر وتدعي أننا أسرى هذه الأزمة بشكل أو بآخر، فهؤلاء الذين يزعمون ويدعون أننا نعاني أزمة فكرية منطلقون من مفهوم واضح صريح يلغي من حياتنا الثقافية والأدبية كل قيمة أصيلة لا تتطابق ولا تنسجم مع القيم والأفكار التي يولدونها من قاموس اصطلاحاتهم  ومفاهيمهم ومقاييسهم النقدية  المشتقة بدورها من روح العقائد والمذاهب والإيديولوجيات التي يتبنون مواقفهم النقدية منها ويأخذون منها ما يطابق أحكامهم على حيلتنا الثقافية والأدبية ثم يخضعون أجواء هذه الحياة ومناخها الأدبي و الفكري لمقاييسهم الخاصة، وهي مسألة نعتبرها جناية على هذه الحياة الأدبية فوق اعتبارنا إياها مغالطة تنطوي على ضرر كبير وأكاد أقول على شر كبير . ومما يزيد الطين بلة – كما يقال- أن تلك الأحكام وتلك المقاييس تختلط فيها وتداخلها النزعة الشخصية الخالصة ومضاعفات هذه النزعة العميقة وهذا الجنوح الرامي إلى هيمنة الاتجاه الانطباعي الذي نعرف جميعا العيوب التي ينطوي عليها حين تتخذه قاعدة من قواعد نظرتنا النقدية والتحليلية إلى الفكر وإلى أزمته في حياتنا الثقافية والأدبية.
حين قلت أن ما يتجلى لنا في حياتنا الثقافية والأدبية هو فكر أزمة أكثر منه أزمة فكر قلت ذلك  وتحت يدي ( مشجبان) نعلق عليهما مشاكلنا الثقافية والأدبية والفكرية وكل ما يتصل عندنا بالنشاط العقلي والذهني المعبر، وهما: ثقافتنا المعاصرة وعلاقتنا بالتراث ومشكلة المضمون في إنتاجنا الثقافي والأدبي. وهما مشكلتان أسالت الأقلام الغزيرة من الحبر عنهما وحولهما، وذهبت في تفسيرهما وتحليلهما مذاهب شتى لا نرى ضرورة لعدها وحصرها، ولكننا نقصر القول على اتجاهين فيهما فرضا أنفسهما على الأدباء والكتاب والقراء وعلى بعض صور الكتابة الأدبية.
* الاتجاه الأول يرى أن ( ثقافتنا المعاصرة) ينبغي أن تعزل نفسها عن التراث حتى تكون ثقافتنا  ثقافة  معاصرة حقا، وهو موضوع آخر قد نخصص له دراسة خاصة عن معنى المعاصرة في الثقافة والأدب، وأصحاب هذا الاتجاه يقولون به ويذهبون إلى هذا الرأي بدعوى أن التراث جزء من الماضي وعنصر منه لا يجب أن « يقحم» نفسه في الثقافة المعاصرة إذا أردنا أن يكون هذه الثقافة معبرة عن عصرنا، ومعبرة عن هموم الناس في حياتهم اليومية!     
وهو اتجاه متطرف- كما رأينا- في رؤيته إلى التراث، لأنه ينظر على أنه عنصر سلبي ليس له أي دور في إغناء وإثراء حياتنا الثقافية والأدبية المعاصرة، وليس لديه ما يضيفه إلى هذه الحياة. فالأحرى هنا- عندهم- أن نحكم على التراث بالموات مادام ليست له صلة بهذه الحياة الثقافية المعاصرة. وخلافنا مع أصحاب هذا الاتجاه خلاف يمتد إلى الجذور العميقة المكونة لحياتنا الثقافية والأدبية، لأنه يمس بفكرنا من أساسه ويحاول أن  يهدمه أو على الأقل أن يلحق به تشويها، ويكفي الرد على هذا الاتجاه أن نستشهد بمثال واحد فقط هو ما يسمى عند الأوربيين بعصر النهضة: هل كان عصر النهضة هذا وليد الصدفة أم كانت له أسبابه الذاتية والموضوعية؟ هل قام الأوروبيون- بمحض الصدفة كذلك ! بخلق أدب وثقافة لهم دون أن تكون لهذا الآداب ولتلك الثقافة جذور بالفكر والثقافة الإغريقية القديمة؟ أليس من مصادر هذا الأدب وتلك الثقافة استمدوا عناصر نهضتهم الأدبية والفكرية والثقافية والعلمية والفنية، حتى شبت عندهم هذه الثقافة ونمت وامتدت أغصان شجرتها في الأجواء وسرى ماء الحياة فيها واخضرت ثم أزهرت ثم أعطت أكلها وثمارها، ولو أشاحوا بوجوههم عن الفكر الإغريقي وثقافة العقلانية الخلافة لما تغيرت حياتهم الثقافية والأدبية والفلسفية والفنية، ونضيف لأصحاب هذا الاتجاه المتطرف في رؤيته إلى تراثنا الفكري والأدبي فنقول أن جزءا ضخما من التراث الإغريقي الذي استعان به الأوربيون في خلق نهضتهم وصلهم عن طريق  العرب والمسلمين الذين كانوا سباقين إلى ترجمته والاستفادة منه في انطلاقتهم الحضارية الزاهرة التي امتدت من أقصى حدود آسيا إلى الأندلس؟ ! .
• أما أصحاب الاتجاه الثاني فلا يقل حظه من التطرف في رؤيته إلى التراث من أصحاب الاتجاه الأول، فيقولون أن التراث الأدبي والفكري هو علاقة مقدسة يجب أن يمتد أثرها وتأثيرها إلى حياتنا الثقافية والفكرية حتى تصبح هذه « القداسة » هواء تتنفسه هذه الحياة وتعيش به، مهما كانت وبلغت حدة العوامل المتجددة التي تفرض نفسها على الحياة الشعوب والأمم. ونحن نقول أن في هذه الرؤية إلى التراث نصيبا من الخطأ ينبغي علينا أن نعالجه، فالتراث الأدبي والثقافي- شأنه شأن أي تراث آخر- أشبه بوعاء محدود أتسع في وقته وعصره لشتى ألوان الإبداع والخلق والابتكار حتى امتلأ وفاض أو كاد، ولا يتعين علينا أن نحمله أكثر مما يحتمل ويطبق، هو وعاء خليق بنا  أن نأخذ منه بالأسباب الكفيلة بضمان إضافة جديدة لا أن نحوله إلى عبء على حياتنا الثقافية والفكرية يثقل هذه الحياة ويثقل على أصحابها حين يريدون الإبداع والخلق. ويكفينا من هذا التراث أنه يمثل ويجسد ظاهرة صحية ودلالات أصيلة وناضجة، وبرهان على النمو والاكتمال، وأخذه المأخذ الذي يريد أصحاب الاتجاه الثاني فهو يشبه عندي أن نمضي إلى الوراء لنجر عربة لقي حصانها حتفه إلى حياتنا المعاصرة ونحاول ركوبها من جديد على علاتها ! 
ولعل المحاولات التوفيقية التي قام بها بعض مفكرينا ومثقفينا بأن تضع حدا فاصلا بين مفهوم أصحاب الاتجاه الأول ومفهوم أصحاب الاتجاه الثاني في رؤيتهم وتفسيرهم لمعنى التراث ومدلوله والمدى الذي يمكن أن يصله في التأثير على حياتنا الثقافية والأدبية والحضارية بصفة عامة.
أما المشكلة الثانية وهي مشكلة المضمون في إنتاجنا الأدبي والثقافي فهي في اعتقادي« مشكلة انتماء» بالدرجة الأولى. ذلك أن الأشكال الأدبية تختلف وتتغير، وتغير من ألوان جلدها باختلاف وتغير الأجيال التي تتبنى وتتخذ هذه الأشكال أدوات للتغيير الأدبي،  أما مسألة المضمون فرهينة بموقف الأجيال مما يقع في عصرها من متغيرات وطوارئ وقدرة انتماء هذه الأجيال إلى صميم مجتمعاتها وطاقتها على استيعاب وامتصاص الدلالات الجديدة التي تطرحها وتفرضها المرحلة الجديدة التي يمر بها المجتمع الذي تعيش فيه الأجيال وتحسب نفسها معبرة عنه وعن حركته وهمومه وآلامه وآماله، واضطرابه أو سكونه، وتطلعاته أو جمود أفرده عند نقطة معينة لا يريدون أن يتجاوزها أما لضعف تحس به وتستشعره أمام التحديات المطروحة وأما لصعوبة  تقييم الاختيارات الأساسية.
ولا أعتقد مطلقا أنني قمت بحل عقدة المضمون ومشكلته في إنتاجنا الأدبي والثقافي، ولكني أظن أنني لمست هذه العقدة من خلال محاولتي ربطها بالعوامل والرواسب المؤثرة والفاعلة فيها.    
                                           -3-
فكر أزمة؟ ! كيف ولماذا؟ ! 
من تلك المنطلقات الأساسية التي سبق لي ذكرها، نستطيع أن نتلمس أكثر طريقنا نحو فكر الأزمة وليس أزمة الفكر يشاع ويقال ويتردد في هذا المنبر أو ذاك من منابر التعبير الأدبي والفكري.
أن الذين يزعمون أن في حياتنا الثقافية والأدبية أزمة فكر مخطئون لسببين أساسيين.
أ‌- استعبادهم واسترقاقهم بروح النظريات والعقائد والإيديولوجيات الواردة لو المستوردة على حد سواء واغترابهم المذهبي والعقائدي في هذه الروح الدخيلة وانتماؤهم الفكري والوجداني لنصوصها الضيقة انتماء يبلغ عند بعضهم درجة التعصب الأعمى وما يصاحبه من قصور لرؤية وغموضها.
ب‌-  انغلاقهم وانكماشهم في دائرة ذلك الانتماء والاغتراب دون محاولة الاقتراب من ضمير ووجدان أمتهم وتراثها الأدبي والفكري والحضاري، وحتى إذا حاولوا الاقتراب منه نظروا إليه نظرة ازدراء واستعلاء تصل أحيانا إلى درجة الاستخفاف بهذا التراث واهانته وتجريحه... وكل شيء يجوز !
فإذا كان الواقع الثقافي والأدبي عندهم لا يمثله إلا ذلك الاستعباد المطبق عليهم لروح فكرية حضارية غريبة عن هذا الواقع وعن مناخه الأصيل، ولا يمثله إلا انغلاقهم وانكماشهم في دائرة الانتماء والاغتراب لهذه الروح الدخيلة .......... فلماذا ننتظر أو نتوقع أم يصدر عنهم إلا ما يشير ويمثل دلالات ذلك الاستعباد والانتماء والاغتراب والانكماش؟ !
لقد قلنا أنهم أسرى رؤية فكرية ضيقة إلى تراثنا أولا، ثم إلى حياتنا الثقافية والأدبية ثانيا، ونستخرج من ذلك أنهم يعيشون في الواقع فكر أزمتين لا أزمة واحدة ! وليس من الصعب أن نقنعهم بأنهم يعيشون ويعانون من فكر أزمتين حادتين، ولكن  الاقتاع عندنا مشروط بقاعدة أساسية يجب أن تتوفر لديهم، قاعدة فكرية تمثل وضوحا في الرؤية وانفتاحا معقولا ومقبولا يطبع عقولهم وأذهانهم، وطرحا كاملا وشاملا لإشكالية التعقيد  القائم بين إيمانهم بوجود أزمة فكر أو فكر أزمة.
أما نحن فنقول أنه لأزمة وجود لازمة فكر في واقعنا الثقافي والأدبي، فحياتنا الثقافية والأدبية في هذا الواقع، نابضة، ملموسة نتائجها، سواء شيئا أن ننظر إليها من زاوية مفهومنا للتراث أو من زاوية مفهومنا للمضمون، ولكي لا نخدع أنفسنا لا نقول ولا نزعم أن هذا الواقع الفكري الذي نعيشه مقنع بالنسبة لنا، فلازلنا نطمح ونتطلع إلى ما هو أجود وأفضل محاولين تجاوزه بما يصدر عنا  من ألوان الإبداع والخلق والاجتهاد- على قلة هذه الألوان- ولكنه- أي ذلك الواقع- لا يمثل لنا ولا يجسد لدينا أي شعور بوجود أزمة فكرية. ولا نحاول مطلقا افتعال واختلاف أزمة فكرية في واقعنا إذا رأينا هذا الواقع يبطئ في خطوات مسيرته أو يفتر نشاطه لسبب من الأسباب.
بالإضافة إلى ذلك، فإننا نرى أن هذا الواقع الفكري الذي يميل قناعتنا بأن التراث- أولا- عنصر إيجابي من عناصر النهضة والدفع – وأن المضمون – ثانيا- باب مفتوح على مصراعيه يستقطب ويستوعب الأشكال التعبيرية الجديدة- أقول أن هذا الواقع الفكري هو تجسيد حتى على مستوى  الفكر بإيماننا بالعقيدة والقيم والمثل التابعة والصادرة من وجدان هذه الأمة الروحي والفكري، ومن ضميرنا الوطني والقومي اليقظ، لا نخشى على أنفسنا من ضياعه بقدر خشيتنا من تفككه وتفتته، لأن القوى الروحية الكامنة في هذا الواقع تشدنا إليه شدا عنيفا وفي نفس الوقت تتيح لنا أن نجابه التحديات الفكرية والعقائدية  المتشابكة بإيمان وثقة لا يتزعزعان، آخذين بعين الاعتبار التطورات التي يشهدها عصرنا في مختلف المجالات و الحقول، نواصل السير لنرقى بهذا الواقع ونسمو به ’فاق أرحب وأوسع، مستمدين طاقة السير من إشعاع فكرنا المغربي الأصيل. 
                                            -4-
أن كل أمة تريد أن تبنى لنفسها حياة جديدة، أو تتهيأ لتبدأ مرحلة جديدة من هذه الحياة، تستمد – بادئ ذي بدء- مقومات البناء والاستمرار مما يكمن في ضميرها الوطني ووجدانها الفكري، والاستفادة من العناصر الايجابية الكامنة فيهما لإرساء قواعد هذا البناء واستمراره وتعبئتهما لتهييىء حياة جديدة، خصبة، نامية، حتى تضمن لنفسها البقاء والوجود، وأخطر التحديات في اعتقادي التي تجابه أمة في مثل هذه المرحلة الجديدة الدقيقة في حياتها هو خطر الازدواجية في التفكير، واختلاف واصطناع أزمات مفتعلة في الفكر الوطني والقومي، ومحاولة تمييع مصادر الفكر الوطني الأصيل وتفتيته حتى تتفسخ شخصية الأمة، ومحاولة عزل هذا الفكر الوطني الأصيل وأبعاده عن الحياة اليومية مفرد، حتى يتلاشى التفاعل الايجابي بين الفرد وفكره، وخطر افتعال أزمة فكرية في الحياة الثقافية والأدبية، وهو خطر لا يهدد فحسب شخصية الفرد ولكنه يهدد كذلك شخصية الأمة المتطلعة المترتبة، ولا يستهدف وجدان وضمير الفرد ولكنه يستهدف ضمير ووجدان الأمة بأكملها، لأن الفكر مثل الغذاء  المشاع بين الناس ولهم يجب أن يراقب شأنه شأن الأفكار تماماً،  وكما يعزل الغذاء الفاسد والخبيث من حياة الفرد والأمة حتى لا ينشر السموم، كذلك ينبغي عزل الفكر  الفاسد و الخبيث من حياة الفرد والأمة، حتى لا ينتشر فساده وخبثه، فتنهار شخصية الأمة وتتحلل كما يتحلل الطين في الماء على حد تعبير ابن سينا ! 

دعوة الحق-االمغرب
Developed by